ميرزا محمد حسن الآشتياني

52

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

فإذا أريد الحكم بحليّة حيوان أو غيره فلا بد من إحراز كونه طيّبا وإلا فلا يجوز الحكم بحليّته لأنه معنى حصر الحلّيّة في الطّيّب لأن نفس الشكّ في إرادته من الكلام ولو من جهة الشك في صدق الموضوع عليه يكفي في الحكم بعدم المحمول له في مرحلة الظاهر فيحكم بالتحريم لأنه معنى نفي التحليل فلا يحتاج إلى إحراز عدم الموضوع بإجراء الأصل في الوصف العنواني للموضوع المردّد حتى يقال بعدم حالة سابقة له سواء كان الطّيّب أمرا وجوديّا أو عدميّا أي مجرّد عدم تنفّر الطبع واستقذاره فتأمّل ( وأمّا ) ما أجاب به عنه شيخنا قدس سره من المعارضة بقوله قلنا إن التحريم إلى آخره فقد يناقش فيه أوّلا بأن مجرّد تحريم الخبائث في الكتاب العزيز مع عدم دلالة القضيّة على الحصر لا يفيد شيئا فإنّ تحريمها من حيث كونها من أفراد المفهوم وثانيا بأن تقابل الطّيّب والخبيث تقابل التضادّ كما حكي عن الصحاح والقاموس ويستفاد من تفسير الطيّب بما يستلذّ به النفس والخبيث بما يستكرهها ولم يعلم عدم ثالث لهما بل الثالث بين المعنيين موجود بالوجدان فإذا لا معنى للتعارض بين الأصلين حتى يرجع إلى أصالة الحلّ وعموم الحلّيّة في الآية والرواية نعم لو كان تقابل الخبيث والطّيّب تقابل الإيجاب والسلب أمكن الحكم بالحلّيّة في مورد الشكّ من جهة الأصل الموضوعي كما ذكره إذ لا يتصوّر هناك معارض له إلا أن يناقش فيه بما عرفت التأمّل فيه هذا ( والذي ) يقتضيه التحقيق أنه على تقدير دلالة الآية على الحصر لا معنى لإجراء الأصل الحكميّ حتى يعارض بأصالة عدم التحريم كما أنه لا معنى للتمسّك بالعموم والأصل اللفظي للشّك في الموضوع فإن جرى هناك أصل موضوعي سليم عن المعارض تعيّن الرجوع إليه وإلّا فالحصر بالمعنى المذكور أيضا لا يجدي في رفع اليد عن أصالة الحلّ وما ذكرناه في تقريب عدم الحاجة إلى الأصل عند الشكّ مع تسليم الحصر كان مبناه على تقريب الاستدلال لا على الاعتقاد والتحقيق ( قوله ) قدس سره وعلى كلّ تقدير فلا ينفع قول الأخباريّين إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) الغرض أنّه بعد سدّ باب طريق الإفتاء للمجتهد المرجع من حيث تساوي أدلّة البراءة والاحتياط في نظره وعدم قدر متيقّن في البين بالفرض وعدم جواز الرّجوع للجاهل بالحكم الظاهري للمسألة إلى الأموات فلا محالة يرجع إلى ما يحكم به عقله من الوجهين على التقديرين ولا ينفع قول كل من المجتهد والأخباري له من حيث لزوم الأخذ به من حيث التعبّد لفرض عدم الدليل عليه وإلّا فلو فرض إيجابه للردع عن حكم عقله فلا إشكال في لزوم الارتداع لكنه لا تعلّق له بما هو المقصود من البيان فإن النفع بهذا المعنى موجود بالنسبة إلى جميع موارد الرجوع إلى العقل في المسائل الاعتقادية كما هو ظاهر [ في دوران الأمر بين الحرمة وغير الوجوب من جهة إجمال النصّ ] ( قوله ) المسألة الثانية ما إذا كان دوران حكم الفعل إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) قد أسمعناك في أوائل هذا المقصد أن من أسباب اشتباه الحكم الكلي الصادر من الشارع وموجباته إجمال اللفظ المتكفّل لموضوع القضية الشرعيّة أو محمولها بمعنى عدم ظهور مراد الشارع منه بما هو المناط في باب الألفاظ من غير فرق بين الإجمال الاصطلاحي وغيره وأن يكون مستندا إلى هيئة النهي من جهة الاشتراك اللفظي أو المعنوي مع عدم ظهور بعض الأفراد أو كثرة الاستعمال في الكراهة مع الوضع للتحريم بحيث يوجب إجمال اللفظ أو غيرها أو مادته ومعروضه بأحد موجبات عدم تبيّن المراد كالغناء إذا كان الاختلاف بحيث يرجع إلى الأقل والأكثر بحيث يكون هناك ما يعلم صدق الغناء عليه على كل تقدير ويعلم بكونه مرادا وإنما الشكّ في إرادة بعض الأصوات من حيث عدم تبيّن حقيقة اللفظ عرفا بكنهه وحدّه وحقيقته كما هو الشأن في أكثر المفاهيم العرفيّة وأمّا إذا تبيّن المفهوم وشكّ في الإرادة من جهة أخرى ولم يوجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق كما فيما ذكره من مثال الخمر من باب مجرّد الفرض فأقل قليل وممّا ذكرنا كله يظهر أنه لا تعلّق للمسألة بالشبهة الموضوعيّة العرفيّة التي تسمّى بالشبهة في طريق الحكم عند الأخباريّين وقد وافقوا المجتهدين في الحكم بالإباحة فيها وإن سمّيت بالشبهة في الموضوع المستنبط وأطلقت عليها الشبهة في الموضوع بقول مطلق من حيث إن الموضوع الكلّي للحكم فيها غير معلوم إلّا أن الإطلاق لا يؤثر في إخراج المسألة عن الشبهة الحكميّة المنوط بعدم تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا أو محمولا أو هما معا لأن الحكم على ما عرفت مرارا ليس مجرّد المحمول وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا وإن وقع وهم هناك لبعض أوائل الطلب ( ثمّ ) إن حكم المسألة حكم المسألة الأولى عند المجتهد والأخباري من غير فرق بينهما أصلا عند الفريقين [ في بيان أخصّية الرواية من أخبار التخيير ] ( قوله ) قدس سره وهذه الرواية وإن كانت أخص من أخبار التخيير إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) أخصيّتها بظاهرها من أخبار التخيير لا تحتاج إلى البيان فإن ما دل على التخيير على ضربين أحدهما ما حكم فيه بالتخيير ابتداء من دون اعتبار فقد المرجّحات ثانيهما ما حكم به بالتخيير مع فقد المرجّحات مطلقا سواء أمكن الاحتياط أو لم يمكن كما في دوران الأمر بين المحذورين وظاهر أن كلّا منهما أعمّ مطلقا من الرّواية فلو كانت معتبرة من حيث السند لزم تقديمها على أخبار التخيير والعمل بها وإن كان حملها على صورة عدم إمكان الاحتياط بعيدا إلا أنه لا مناص عنه بعد أخصيّة الرواية إلا أنها غير معتبرة سندا جدّا فلا تعارض أخبار التخيير وأمّا ما دلّ على التوقّف والاحتياط فهو على ضربين أيضا أحدهما ما ورد في مطلق الشبهة